مبروكة خذير | كوسموس ميديا – تونس
من درنة التي اجتاحتها مياه العاصفة «دانيال»، إلى أنظمة الإنذار السريع في سلطنة عُمان، مرورًا بتحديات الاستعداد في تونس، يفتح المنتدى العربي الإقليمي الثاني لنظم الإنذار المبكر والتأهب للكوارث ملفًا يتجاوز التكنولوجيا والتنبؤات الجوية: كيف يمكن تحويل المعلومة إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى أرواح تُنقذ قبل أن تتحول المخاطر إلى مآسٍ؟
تونس – 14 أكتوبر 2026
قبل أن تجتاح السيول شارعًا، أو تقتحم المياه منزلًا، أو يتحول الجفاف إلى تهديد لمصدر رزق عائلة بأكملها، ثمة لحظة فاصلة لا يراها كثيرون: اللحظة التي تعرف فيها المؤسسات أن الخطر قادم، لكنها لم تحسم بعد كيف ستتصرف، أو اللحظة التي يصل فيها التحذير إلى الناس، فيما لا يعرفون إلى أين يتجهون أو ماذا ينبغي أن يفعلوا.
في تلك المسافة القصيرة بين المعلومة والفعل، قد تتحدد مصائر مدن وأسر بأكملها. وقد يكون الفارق بين النجاة والفقدان دقائق قليلة، أو قرارًا اتُّخذ في الوقت المناسب، أو تحذيرًا وصل إلى قرية نائية قبل أن تقطع السيول طرقها.
من هذه المسافة الحساسة بين توقع الخطر والقدرة على مواجهته، انطلقت أعمال المنتدى العربي الإقليمي الثاني لنظم الإنذار المبكر والتأهب للكوارث، الذي احتضنته تونس من 12 إلى 14 أكتوبر 2026، بمشاركة ممثلين عن الدول العربية والمنظمات الإقليمية والدولية والمؤسسات الفنية والإنسانية، إلى جانب فاعلين من قطاعات متعددة.
لم يكن الرهان مجرد استعراض لتطور أجهزة الرصد أو دقة التوقعات المناخية، بل البحث في سؤال أكثر إلحاحًا: كيف تنتقل الدول العربية من معرفة أن الكارثة قد تقع إلى الاستعداد الفعلي لمنع تحولها إلى مأساة؟
فالتنبؤ، مهما بلغت دقته، لا ينقذ الأرواح بمفرده. والتحذير، مهما كان سريعًا، يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته إذا وصل متأخرًا، أو لم يفهمه السكان، أو لم تصاحبه خطة واضحة وموارد تتيح لهم الاستجابة.
هنا تكمن الفكرة الأساسية التي تجمع محاور المنتدى: بناء منظومة لا تنتظر وقوع الكارثة حتى تتحرك، بل تستعد لها مسبقًا، وتربط المعرفة العلمية بالقرار السياسي، والتخطيط المؤسسي بالجاهزية المحلية، والتكنولوجيا بقدرة الإنسان على حماية نفسه ومجتمعه.

درنة… حين تتحول الدقائق الضائعة إلى مأساة
في ليلة العاشر من سبتمبر 2023، لم تكن مدينة درنة الليبية تتوقع أن تستيقظ على واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية تدميرًا في تاريخها الحديث. ضربت العاصفة «دانيال» شمال شرقي ليبيا بأمطار غزيرة، وتحولت الأودية إلى سيول جارفة، قبل أن ينهار سدان أعلى المدينة، فتندفع كميات هائلة من المياه عبر مجرى وادي درنة نحو الأحياء السكنية.
في ساعات قليلة، حملت المياه معها مباني وسيارات وأجزاء من البنية التحتية، وتركت وراءها آلاف الضحايا والمفقودين وعائلات فقدت أحباءها ومنازلها، ومدينة وجدت نفسها أمام حجم من الدمار يصعب استيعابه.
لم تكن المأساة مجرد نتيجة لأمطار استثنائية. فقد كشفت عن تداخل خطير بين قوة الظاهرة الطبيعية وهشاشة البنية التحتية وتعقيدات الاستعداد وإدارة الأزمة.
وأعادت الكارثة طرح أسئلة جوهرية حول تقييم مخاطر السدود وصيانتها، ومدى جاهزية خطط الإخلاء، وآليات تبادل المعلومات بين مؤسسات الأرصاد الجوية والجهات المسؤولة عن المنشآت المائية والحماية المدنية والسلطات المحلية.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا ظل متعلقًا بالإنذار: ماذا يعني أن نعرف أن عاصفة تقترب، إذا لم تتحول هذه المعرفة إلى تحذير واضح من طبيعة الخطر الذي يهدد السكان، وإلى قرار يمنحهم فرصة حقيقية للتحرك؟
هناك فرق جوهري بين الإعلان عن ظاهرة جوية خطرة والتحذير من احتمال وقوع فيضان مدمر في منطقة مأهولة، أو من خطر مرتبط بمنشآت قد تتعرض للانهيار. فكلما كانت المعلومة أكثر تحديدًا، أمكن ربطها بإجراءات عملية: تحديد المناطق المهددة، وتفعيل الإخلاء، وفتح المسارات الآمنة، وتوجيه فرق الإنقاذ إلى المواقع الأكثر عرضة للخطر.
ولا يمكن اختزال مأساة درنة في غياب الإنذار وحده، أو الجزم بأن نظامًا متطورًا للتحذير كان سيمنع جميع الخسائر. فالكارثة نتاج عوامل متداخلة، ولا بد من فهمها في سياقها الكامل. غير أن التجربة كشفت بوضوح أن الوقاية لا تبدأ عندما تصل العاصفة إلى المدينة، بل قبل ذلك بوقت طويل، من خلال تقييم المخاطر، وصيانة المنشآت، وتحديد المسؤوليات، واختبار خطط الطوارئ، وضمان وصول المعلومات إلى من يحتاجون إليها.
وبعد انحسار المياه، واجهت فرق الإنقاذ والإغاثة تحديات هائلة، مع تضرر الطرق والجسور وصعوبة الوصول إلى مناطق منكوبة، فيما احتاج الناجون إلى المأوى والرعاية الصحية والمياه النظيفة والدعم النفسي. وأصبح جمع المعلومات الدقيقة وتنسيق المساعدات وتحديد الاحتياجات جزءًا من معركة أخرى لاستعادة الحياة.
لكن التعلم من درنة لا ينبغي أن يتوقف عند توثيق حجم الدمار أو استعادة صور المأساة. المطلوب هو تحويل التجربة إلى معرفة عملية، ومراجعة القرارات ومسارات الاتصال، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تحمي مدنًا أخرى تواجه مخاطر مماثلة.
فالمياه التي اجتاحت درنة لم تترك وراءها خسائر بشرية ومادية فحسب، بل وضعت المنطقة العربية أمام حقيقة قاسية: عندما تتعطل حلقة واحدة في سلسلة الإنذار والاستعداد والاستجابة، قد تتحول المخاطر المعروفة إلى كارثة يصعب احتواء آثارها.

من القاهرة إلى تونس… هل ينتقل التعاون العربي من الحوار إلى التنفيذ؟
لم يأتِ المنتدى التونسي من فراغ. فهو يمثل محطة ثانية في مسار عربي بدأ مع المنتدى الإقليمي الأول لنظم الإنذار المبكر والتأهب للكوارث، الذي انعقد في القاهرة يومي 17 و18 ديسمبر 2025.
وقد أتاح اللقاء الأول مساحة للحوار حول تطوير القدرات الوطنية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتبادل الممارسات، وربط التحذيرات بالاستجابة الميدانية. وفي تونس، يتواصل هذا المسار في وقت تتجه فيه مبادرة «الإنذار المبكر للجميع» إلى تحقيق هدفها العالمي المتمثل في ضمان حماية كل شخص بأنظمة إنذار مبكر متعددة المخاطر ومتمحورة حول الإنسان بحلول عام 2027.
غير أن بلوغ هذا الهدف لا يقاس بعدد محطات الرصد التي يجري تركيبها، ولا بعدد الرسائل التي تبثها الأنظمة الرقمية. المعيار الحقيقي هو قدرة المنظومة على تحديد من يواجه الخطر، وإيصال تحذير مفهوم إليه، وتمكينه من اتخاذ إجراء مناسب في الوقت المتاح.
وتقوم منظومة الإنذار المبكر المتكاملة على أربعة أركان مترابطة: معرفة مخاطر الكوارث، والرصد والتنبؤ، ونشر التحذيرات والتواصل بشأنها، ثم التأهب للاستجابة.
قد تكون التوقعات العلمية دقيقة، لكن الرسالة لا تصل إلى السكان. وقد يصل التحذير، لكن لا توجد وسيلة نقل لإخلاء منطقة مهددة. وقد تتوافر المعدات والموارد، فيما يؤدي غياب التنسيق بين السلطات المحلية والحماية المدنية والخدمات الصحية والجهات الإنسانية إلى تأخير التدخل.
لهذا، فإن تطوير الإنذار المبكر ليس مهمة تقنية معزولة، بل مشروع مؤسسي ومجتمعي يتطلب وضوح المسؤوليات، وتبادل البيانات، وتوفير الموارد، وإشراك السكان في الاستعداد.
ومن هنا أيضًا، تبرز أهمية الانتقال من تبادل الخبرات بوصفه هدفًا في حد ذاته إلى بناء آليات عملية للتعاون العربي: كيف تتبادل المؤسسات المعلومات؟ ما المعايير التي يمكن اعتمادها لتقييم فاعلية الأنظمة؟ وكيف تتحول الدروس المستخلصة من الكوارث إلى خطط وطنية قابلة للتنفيذ؟
لقد فتحت القاهرة الباب أمام هذا الحوار، وجاءت تونس لتمنح المسار فرصة جديدة لتحديد الأولويات ومراجعة الفجوات. لكن القيمة الحقيقية لهذه اللقاءات ستظل مرتبطة بما ينتج عنها من التزامات قابلة للقياس، لا بمجرد استمرار الاجتماعات.

سلطنة عُمان… عندما تتحول التكنولوجيا إلى وقت إضافي للنجاة
وسط هذا النقاش، تبرز تجربة سلطنة عُمان في توظيف التكنولوجيا لتسريع إيصال التحذيرات إلى السكان، باعتبارها مثالًا على الدور الذي يمكن أن تؤديه أنظمة الاتصال الحديثة في تعزيز الجاهزية.
فقد أتاحت منظومة بث الإنذارات المبكرة في السلطنة إرسال رسائل تحذيرية إلى المشتركين داخل المنطقة المستهدفة خلال مدة لا تتجاوز عشر ثوانٍ، مع إمكانية تحديد النطاق الجغرافي الذي تُوجَّه إليه الرسائل.
تكشف هذه الإمكانية عن قيمة الوقت في إدارة المخاطر. ففي حالات الطوارئ، لا يتعلق الأمر فقط بسرعة إنتاج المعلومة، بل بسرعة وصولها إلى الأشخاص الموجودين فعلًا في المنطقة المهددة، بعيدًا عن الرسائل العامة التي قد لا تحدد من ينبغي أن يتحرك أو أين يكمن الخطر.
ويتيح التوجيه الجغرافي للتحذيرات تركيز الاتصال على السكان المعنيين، بدل الاكتفاء برسالة واسعة قد تصل إلى أشخاص خارج نطاق التهديد، أو لا تمنح المتلقين تفاصيل كافية لفهم مستوى الخطر.
غير أن سرعة إرسال الرسالة ليست سوى جزء من المعادلة. ففاعلية النظام تظل مرتبطة بدقة المعلومات، ووضوح مضمون التحذير، ومدى استعداد السكان للاستجابة، وقدرة السلطات على توفير التوجيه والمساعدة عند الضرورة.
كما لا ينبغي أن تصبح التكنولوجيا الحديثة بديلًا عن قنوات الاتصال الأخرى. فالاعتماد على الهواتف وحدها قد يترك خارج منظومة الحماية أشخاصًا لا يملكون أجهزة مناسبة، أو يعيشون في مناطق ضعيفة الاتصال، أو يحتاجون إلى وسائل تواصل مهيأة لاحتياجاتهم.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية في سياق التعاون العربي، حيث يمكن لتبادل الخبرات بين المؤسسات المختصة أن يساعد على تطوير أنظمة أكثر قدرة على الوصول إلى الفئات المعرضة للمخاطر، مع تكييف الحلول وفق الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية لكل بلد.
وقد شارك في المنتدى وفد من وزارة التنمية الاجتماعية وهيئة البيئة والطيران المدني العُمانية، في إطار تبادل الخبرات الوطنية في مجال التأهب للكوارث.
لكن نقل التجارب لا يعني استنساخها. فما يصلح في منطقة قد يحتاج إلى تعديلات جوهرية في أخرى، بحسب طبيعة المخاطر والبنية التحتية والموارد المتاحة. ولذلك، فإن التعلم الحقيقي يبدأ بفهم ما الذي يجعل النظام فعالًا، وكيف يمكن قياس نتائجه، وما الشروط اللازمة لتطبيقه في سياقات مختلفة.

تونس… من التحذير إلى الجاهزية المحلية
بالنسبة إلى تونس، لا يمثل احتضان المنتدى مجرد استضافة لحدث إقليمي، بل مناسبة لطرح أسئلة تتصل مباشرة بقدرة البلاد على مواجهة مخاطر تتنوع بين الفيضانات والحرائق والجفاف وموجات الحر والضغط المتزايد على الموارد المائية.
ففي بلد تتداخل فيه التحديات المناخية مع الضغوط على المياه والزراعة والبنية التحتية، لا تكفي نشرات الأرصاد أو التحذيرات العامة لضمان حماية السكان. المطلوب هو بناء سلسلة واضحة تربط المعلومات الفنية بالقرارات الميدانية.
من يتلقى التحذير داخل المؤسسات؟ من يحدد المناطق الأكثر عرضة للخطر؟ متى تتدخل السلطات المحلية؟ كيف يُبلَّغ السكان بما ينبغي فعله؟ وهل توجد مسارات إخلاء واضحة ووسائل نقل وأماكن آمنة يمكن الوصول إليها عند الضرورة؟
تزداد أهمية هذه الأسئلة في المناطق التي تعاني ضعف البنية التحتية، أو صعوبة الوصول إلى الخدمات، أو التعرض المتكرر للضغوط المائية والمناخية.
وقد خصص برنامج المنتدى مساحة لمناقشة الممارسات المحلية في تونس ضمن محور «القدرة على الصمود تبدأ من المنزل»، بما يسلط الضوء على أهمية الاستعداد داخل الأسر والمجتمعات المحلية، وليس فقط على مستوى المؤسسات المركزية.
لكن تقييم الجاهزية التونسية يتطلب أكثر من استعراض الخطط والمبادرات. فهو يحتاج إلى مؤشرات واضحة: ما مدى سرعة وصول التحذيرات؟ هل تشمل المناطق الأكثر عرضة للخطر؟ هل تعرف الأسر كيف تتصرف؟ وهل تختبر المؤسسات خطط الطوارئ من خلال تدريبات ميدانية منتظمة؟
كما يتطلب تقييمًا لقدرة المنظومة على حماية الفئات التي قد تكون أقل قدرة على الاستجابة، مثل كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر محدودة الموارد وسكان المناطق المعزولة.
فلا معنى لتحذير يصل إلى أسرة لا تستطيع مغادرة منزلها، أو إلى مزارع لا يملك وسيلة لحماية مصدر رزقه، ما لم ترافق المعلومة إجراءات دعم مناسبة.
والتحدي، في النهاية، ليس أن تعرف تونس أن الخطر قادم فحسب، بل أن تكون المؤسسات والمجتمعات قادرة على التصرف قبل أن يصبح التعامل معه أكثر كلفة وصعوبة.

منطقة عربية واحدة… ومخاطر متعددة
تواجه الدول العربية طيفًا واسعًا من المخاطر، من السيول المفاجئة والجفاف الممتد إلى موجات الحر والعواصف الترابية وحرائق الغابات والزلازل وارتفاع مستوى البحر وتآكل السواحل وشح المياه.
ولا تتشابه هذه الأخطار في طبيعتها أو آثارها، كما تختلف قدرة الدول والمجتمعات على مواجهتها. فالمناطق الساحلية تحتاج إلى ترتيبات تختلف عن المناطق الجبلية والصحراوية، والدول التي تواجه الجفاف المزمن تحتاج إلى أدوات تخطيط مختلفة عن تلك التي تستعد لفيضانات مفاجئة.
لكن هذا التنوع لا يمنع بناء أرضية مشتركة للتعاون.
فالمعارف المتعلقة بتقييم المخاطر، والاتصال في حالات الطوارئ، واستمرارية الخدمات، والتدريب المجتمعي، والتمويل الوقائي، يمكن أن تنتقل بين البلدان بعد تكييفها مع الظروف المحلية.
وتبرز هنا أهمية التعاون جنوب–جنوب، والشراكات بين مؤسسات الأرصاد والاتصالات والحماية المدنية والبحث العلمي، إلى جانب الاستفادة من خبرات المنظمات الإنسانية والمجتمعات المحلية.
غير أن تبادل التجارب الناجحة يتطلب أكثر من الإعلان عن مشروع جديد أو نظام متطور. فالتجربة التي توصف بأنها ناجحة ينبغي أن تستند إلى نتائج قابلة للتحقق: ما الفئات التي وصل إليها التحذير؟ كيف اختُبرت فعاليته؟ ما الوقت الذي وفره للاستجابة؟ وهل ساهم فعلًا في تقليص الخسائر؟
ومن دون هذه المعطيات، يصبح الحديث عن النجاح أقرب إلى الانطباع منه إلى التقييم العلمي.
كما أن التعلم الإقليمي لا يكتمل من دون توثيق ما لم ينجح أيضًا. فالأخطاء التي تُراجع بشفافية قد توفر على دول أخرى تكرار المسار نفسه، شرط أن تتحول نتائج المراجعة إلى إجراءات تصحيحية واضحة.

الذكاء الاصطناعي لا يُخلي منزلًا… والرسالة لا تنقذ وحدها
تحتل التكنولوجيا مكانة متقدمة في النقاش حول مستقبل الإنذار المبكر. فالاستشعار عن بعد والبيانات الجغرافية والاتصالات المحمولة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة تتيح فرصًا لتحسين الرصد والتنبؤ وتحديد المناطق المهددة وتسريع نشر التحذيرات.
وقد تناول برنامج المنتدى استخدام أنظمة الإنذار عبر الهواتف المحمولة، وتطوير وسائل إيصال التحذيرات إلى السكان المستهدفين، إلى جانب توظيف الابتكار والذكاء الاصطناعي في مواجهة المخاطر.
لكن السؤال ليس ما إذا كانت التكنولوجيا قادرة على إنتاج مزيد من البيانات، بل ما إذا كانت هذه البيانات ستساعد على اتخاذ قرارات أفضل وأسرع.
فالخوارزمية لا تعوض غياب البيانات الدقيقة، والتطبيق لا يغني عن خطة إخلاء، والرسالة الرقمية لا تكفي إذا لم يعرف المتلقي مستوى الخطر أو الإجراء المطلوب منه.
لهذا، يجب أن تكون التحذيرات واضحة ومحددة وقابلة للتنفيذ، وأن تراعي لغات السكان واحتياجاتهم وقدراتهم على الوصول إلى المعلومات. كما ينبغي دعمها بقنوات بديلة، تشمل الإذاعة والاتصال المباشر وشبكات المتطوعين والسلطات المحلية، وفق طبيعة المنطقة والفئات المستهدفة.
وتزداد هذه الحاجة عندما تتضرر شبكات الاتصال أو تنقطع الكهرباء، أو تنتشر معلومات مضللة وصور قديمة تثير الذعر وتربك الاستجابة.
كما أن حماية البيانات والتحقق من المعلومات والمحافظة على الثقة العامة عناصر أساسية في بناء منظومة فعالة.
فالتكنولوجيا الأكثر فائدة ليست بالضرورة الأكثر تعقيدًا، بل تلك التي تساعد شخصًا مهددًا على فهم ما يحدث، ومعرفة ما ينبغي فعله، والوصول إلى مكان آمن في الوقت المناسب.

من التوقعات الموسمية إلى العمل الاستباقي
في اليوم الثالث من المنتدى، الموافق 14 أكتوبر، خُصص محور للمخاطر المناخية والتوقعات الموسمية والعمل المبكر، بما في ذلك الاستعداد للمخاطر المحتملة المرتبطة بظاهرة النينيو والتقلبات المناخية.
وتكمن أهمية هذا المحور في أن التوقعات المناخية لا ينبغي أن تبقى حبيسة التقارير الفنية. فالمعلومة التي تشير إلى احتمال تفاقم الجفاف أو ارتفاع مخاطر الحر أو تغير أنماط الأمطار يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة إذا وصلت إلى القطاعات المعنية في الوقت المناسب.
يمكن لقطاع الزراعة، مثلًا، الاستفادة من التوقعات في التخطيط للمواسم واختيار الإجراءات التي تساعد على تقليل الخسائر. ويمكن لقطاع المياه مراجعة خطط إدارة الموارد، فيما تستعد الخدمات الصحية لموجات الحر، وتحدد الحماية المدنية المناطق التي تحتاج إلى تعزيز الجاهزية.
لكن التوقع الموسمي لا يعني معرفة مؤكدة بما سيحدث في مكان محدد وفي يوم بعينه. إنه تقدير علمي للاحتمالات، ينبغي تفسيره في ضوء البيانات المحلية وربطه بخطط عمل قابلة للتنفيذ.
وهنا يظهر الفارق بين الاستجابة التقليدية والعمل الاستباقي. ففي النموذج الأول، تبدأ المؤسسات التحرك بعد أن تظهر آثار الخطر. أما في النموذج الثاني، فتُستخدم المعلومات المتاحة لاتخاذ تدابير مسبقة، قد تشمل توجيه الإرشادات، أو مراجعة توزيع الموارد، أو تجهيز الخدمات الأساسية، أو دعم الفئات الأكثر تعرضًا للخسائر.
والسؤال الذي يظل مطروحًا أمام المؤسسات العربية هو: هل تتحول التوقعات المناخية إلى قرارات فعلية وموازنات وخطط قطاعية، أم تظل معلومات علمية لا تجد طريقها إلى التنفيذ؟
«القدرة على الصمود تبدأ من المنزل»… فمن يحمي من لا يستطيع الاستعداد؟
في 13 أكتوبر، احتفى المنتدى باليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث تحت شعار «القدرة على الصمود تبدأ من المنزل».
يحمل الشعار رسالة أساسية: لا تبدأ الجاهزية في غرف العمليات وحدها، بل في المنازل والمدارس وأماكن العمل والأحياء والقرى.
فالأسرة التي تعرف مسارات الإخلاء وتفهم تعليمات السلطات تكون أكثر قدرة على التصرف عند الطوارئ. والمدرسة التي تدرب تلاميذها على إجراءات السلامة، والمجتمع الذي يعرف من يحتاج إلى مساعدة إضافية، يضيفان حلقات مهمة إلى منظومة الحماية.
لكن وضع الإنسان في قلب الاستعداد لا يعني نقل مسؤولية الوقاية من المؤسسات إلى الأفراد.
فلا يمكن مطالبة أسرة بمغادرة منطقة خطرة من دون معلومات موثوقة أو وسيلة نقل أو مكان آمن، ولا يمكن مطالبة سكان منطقة معزولة بالاستجابة لتحذير لا يصل إليهم. كما لا يجوز افتراض أن جميع الناس يملكون الموارد والقدرات نفسها للتعامل مع الكوارث.
إن بناء القدرة على الصمود مسؤولية مشتركة، تتحمل فيها الحكومات والمؤسسات واجب توفير المعلومات والخدمات والبنية التحتية والموارد اللازمة، فيما يشارك الأفراد والمجتمعات في الاستعداد والتدريب واتخاذ الإجراءات الممكنة.
ومن هنا، يصبح إشراك السكان في تصميم خطط التأهب ضرورة عملية. فالمجتمعات المحلية تعرف تفاصيل قد لا تظهر في الخرائط العامة: الطرق التي تنقطع أولًا، والمنازل التي تضم أشخاصًا يحتاجون إلى المساعدة، والمناطق التي يصعب الوصول إليها، وقنوات الاتصال التي يثق بها السكان.
هذه المعرفة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل عنصر من عناصر الوقاية نفسها.

الإعلام… الحلقة التي تحول التحذير إلى وعي
في منظومة الإنذار المبكر، لا يقف الإعلام عند حدود نقل المعلومة. إنه حلقة أساسية في تفسير الخطر ومساعدة الجمهور على فهمه واتخاذ القرار المناسب.
ففي لحظات الطوارئ، قد تنتشر صور قديمة أو معلومات غير مؤكدة أو رسائل مضللة بسرعة كبيرة. وقد يؤدي التهويل إلى إثارة الذعر، فيما قد يقود التقليل من شأن الخطر إلى تجاهل التحذيرات وتأخير الاستجابة.
لذلك، يحتاج الإعلام إلى قنوات اتصال واضحة مع مؤسسات الأرصاد والحماية المدنية والسلطات المحلية، وإلى صحفيين قادرين على فهم درجات الخطورة وقراءة التوقعات المناخية والتمييز بين الاحتمالات العلمية والوقائع المؤكدة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد إعادة نشر بيان رسمي، بل بصياغة رسالة دقيقة تجيب عن أسئلة الناس: ما الذي يحدث؟ من المناطق المعرضة للخطر؟ ما الذي ينبغي فعله؟ أين يمكن الحصول على معلومات موثوقة؟ وكيف يمكن التحقق من الأخبار المتداولة؟
كما ينبغي أن تتعدد وسائل الاتصال حتى تصل الرسالة إلى فئات مختلفة، بمن فيهم الأشخاص الذين لا يستخدمون المنصات الرقمية أو يجدون صعوبة في الوصول إلى المعلومات المنشورة عبرها.
لكن دور الصحافة لا ينتهي بانتهاء حالة الطوارئ. فالتغطية التي تكتفي بصور الدمار وأعداد الضحايا تترك جانبًا مهمًا من القصة من دون مساءلة.
هنا تبرز قيمة الصحافة الاستقصائية والصحافة البيئية وصحافة الحلول، القادرة على تتبع ملفات التخطيط العمراني، وصيانة البنية التحتية، والإنفاق على الوقاية، ومدى تنفيذ خطط الطوارئ، والقرارات التي اتُّخذت قبل الكارثة وبعدها.
كما تستطيع الصحافة أن توثق تجارب المجتمعات المتضررة، وتمنح السكان مساحة لسرد ما عاشوه، وتطرح أسئلة حول العدالة في توزيع الموارد والمساعدات، ومدى قدرة الفئات الهشة على الوصول إلى الحماية.
فالوقاية تحتاج إلى إعلام لا يكتفي بإعلان الخطر، بل يساعد المجتمع على فهم أسبابه، ومراقبة الاستعداد له، ومساءلة المؤسسات عن مسؤولياتها، ومتابعة ما إذا كانت الوعود قد تحولت إلى إجراءات.
في النهاية، الإنذار المبكر ليس خبرًا عاجلًا فحسب؛ إنه اتصال عام ينبغي أن يحول المعلومة إلى فهم، والفهم إلى استعداد، والاستعداد إلى فعل.

من قاعات المنتدى إلى حياة الناس… كيف نعرف أن شيئًا قد تغير؟
تكمن أهمية المنتدى العربي الإقليمي الثاني في قدرته على دفع التعاون نحو خطوات عملية ومستدامة. وقد تناولت أعماله مراجعة التقدم المحرز، وتحديد الفجوات، وتعزيز الشراكات، ومناقشة التمويل والتكنولوجيا والعمل الاستباقي، إلى جانب صياغة أولويات إقليمية لتطوير نظم الإنذار المبكر متعددة المخاطر.
ومن المتوقع أن تسهم المناقشات في بلورة أولويات وتوصيات إقليمية، وتغذية مسار إعداد تقرير تركيبي عربي مقرر نشره في عام 2027، فضلًا عن الإسهام في الحوار الإقليمي والعالمي بشأن الحد من مخاطر الكوارث.
غير أن تقييم نتائج المنتدى يظل مرتبطًا بما سيُعتمد رسميًا من مخرجات، وبكيفية متابعة تنفيذها بعد انتهاء الاجتماعات.
فما قيمة التوصيات إذا لم تحدد الجهات المسؤولة عن تنفيذها؟ وما جدوى الاتفاق على تطوير الأنظمة إذا لم يتوافر التمويل اللازم؟ وكيف يمكن الحديث عن تقدم ملموس إذا لم تُقَس سرعة وصول التحذيرات، ولم تُختبر خطط الإخلاء، ولم تُراجع نتائج التدريبات الميدانية؟
إن الانتقال من الحوار إلى التنفيذ يتطلب أهدافًا محددة، ومسؤوليات واضحة، وآجالًا زمنية، وموارد مالية وبشرية، وآليات للتقييم والمراجعة.
كما يتطلب قياس النتائج على الأرض: هل توسعت تغطية نظم الإنذار؟ هل وصلت التحذيرات إلى المناطق والفئات الأكثر عرضة للخطر؟ هل تحسن تبادل البيانات بين المؤسسات؟ هل أصبحت خطط الطوارئ أكثر وضوحًا وقابلية للتنفيذ؟ وهل تحولت الدروس المستخلصة من الكوارث السابقة إلى تغييرات فعلية في السياسات والممارسات؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان المنتدى محطة جديدة في مسار التعاون العربي، أم مجرد حلقة أخرى في سلسلة من اللقاءات التي تنتهي بانتهاء جلساتها.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إغلاق القاعة
بين القاهرة وتونس، يتشكل مسار عربي يبحث عن منظومة أكثر تكاملًا للإنذار المبكر والتأهب للكوارث. وبين التجارب الوطنية، والتطور التكنولوجي، وتزايد الضغوط المناخية، تتضح الحاجة إلى الانتقال من تبادل النوايا إلى تبادل البيانات، ومن إعلان التحذيرات إلى اختبار فاعليتها، ومن انتظار الكارثة إلى العمل قبل وقوعها.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الجلسات أو حجم المشاركة أو قوة الكلمات الختامية.
سيكون في قرية يصل إليها التحذير قبل أن تقطع السيول طريقها. وفي أسرة تعرف أين تتجه حين تتلقى الإنذار. وفي مزارع يحصل على معلومة مناخية تساعده على حماية محصوله ومصدر رزقه. وفي مؤسسة تتحرك وفق خطة واضحة بدل الارتجال. وفي صحفي يستطيع أن يشرح للناس مستوى الخطر من دون تهويل أو تضليل. وفي طفل يتعلم في مدرسته كيف يتصرف عندما يواجه الطوارئ.
وسيكون أيضًا في مدينة مثل درنة، حيث لا ينبغي أن تبقى الأسئلة التي خلفتها الكارثة معلقة، ولا أن تظل الدروس حبيسة التقارير والذكريات، بل أن تتحول إلى مراجعات وإجراءات تمنع تكرار الأخطاء وتحد من الخسائر المستقبلية.
فالاستعداد للكوارث لا يبدأ عندما ترتفع المياه أو تشتعل الغابات أو تضرب موجة الحر مدينة مكتظة. يبدأ عندما تُفهم المخاطر، وتُصان البنية التحتية، وتُحدد المسؤوليات، وتُختبر خطط الطوارئ، ويعرف كل طرف ما الذي ينبغي أن يفعله عندما يصل التحذير.
وهنا تتجاوز قضية الإنذار المبكر حدود التكنولوجيا لتصبح قضية حكم رشيد، وعدالة في الوصول إلى المعلومات، واستثمار في الوقاية، وثقة بين المؤسسات والمجتمعات.
إن النجاح لا يعني أن نعرف فقط أن الكارثة قد تقع، بل أن نمتلك الوقت والمعلومة والقدرة والإرادة لمنع تحول الخطر إلى مأساة. وهذا هو التحدي الذي يضعه المنتدى العربي الإقليمي الثاني أمام الدول العربية: أن تصبح الوقاية ممارسة يومية، وأن يتحول التعاون الإقليمي إلى حماية ملموسة، وأن يكون الإنسان، لا التكنولوجيا وحدها، في قلب كل نظام للإنذار المبكر.
لأن الإنذار الذي لا يقود إلى فعل يظل معلومة ناقصة. أما الإنذار الذي يصل في الوقت المناسب، وتفهمه المجتمعات، وتستجيب له المؤسسات، فقد يكون الفارق بين الخطر والنجاة.




