Slidersمقالات

موناكو تستعد لرسم مستقبل المحيطات: بين طموح الحماية ومنطق التمويل العالمي

مبروكة خذير – كوزموس ميديا – تونس

 

في أواخر شهر ماي، لا تبدو موناكو مجرد إمارة صغيرة على ضفاف المتوسط، بل تتحول إلى مساحة تجمع العالم حول سؤال واحد يزداد إلحاحًا: ماذا نفعل بالمحيطات التي لم تعد صامتة كما كانت، بل أصبحت تعكس بوضوح اختلالات المناخ والاقتصاد والسياسات الدولية؟

في هذه المدينة التي لطالما ارتبط اسمها بالبحر، تُعقد قمتان متتاليتان تحملان ثقلًا عالميًا متزايدًا: مبادرة موناكو الزرقاء (MBI) ومنتدى الاقتصاد الأزرق والتمويل (BEFF)، حيث يجتمع العلماء وصناع القرار والممولون في محاولة لصياغة معادلة جديدة تجمع بين حماية المحيطات واستدامة الاقتصاد.

حين يصبح البحر ملفًا سياسيًا وماليًا

لم تعد المحيطات مجرد فضاء طبيعي شاسع، بل تحولت تدريجيًا إلى ملف مركب تتقاطع فيه قضايا الأمن الغذائي، والتجارة العالمية، والطاقة والتغير المناخي. هذا التحول هو ما يدفع اليوم نحو إعادة إدراج “البحر” داخل قلب النقاشات السياسية والمالية الدولية، وليس على هامشها.

فارتفاع حرارة المحيطات، وتراجع التنوع البيولوجي، وتفاقم التلوث البلاستيكي، كلها مؤشرات لم تعد تحتاج إلى إثبات علمي بقدر ما تحتاج إلى قرارات سياسية وتمويلات فعلية قادرة على إحداث تغيير ملموس.

ومن هنا تأتي أهمية لقاء موناكو، الذي يحاول نقل النقاش من مستوى التحذير العلمي إلى مستوى التنفيذ العملي.

‏MBI: محاولة لإعادة كتابة قواعد الحوكمة البحرية

في 27 ماي، تفتح مبادرة موناكو الزرقاء جلساتها داخل متحف علوم المحيطات، في فضاء يُفترض أن يجمع بين رمزية المعرفة البحرية وواقعية القرار الدولي.

هناك، يعود النقاش إلى الأساسيات: كيف يمكن إدارة محيطات لا تخضع لسيادة دولة واحدة؟ وكيف يمكن تنظيم مناطق شاسعة من أعالي البحار التي ظلت لعقود خارج أي نظام رقابي فعال؟

الجدول يحمل ثلاث ملفات مركزية تعكس عمق الأزمة:

أولها يتعلق بما بعد أجندة 2025، أي السؤال عن مصير الالتزامات الدولية السابقة وما إذا كانت كافية لمواجهة التسارع البيئي الحالي.

وثانيها يتمحور حول الحوكمة والتمويل، وهو النقاش الأكثر حساسية، إذ يطرح بوضوح من يتحمل تكلفة حماية مورد طبيعي عالمي لا يملكه أحد.

أما الملف الثالث فيتعلق بمعاهدة أعالي البحار (BBNJ)، وهي إحدى أهم المحاولات الحديثة لإرساء قواعد قانونية للمناطق البحرية الدولية، لكنها ما تزال في طور الانتقال من النص إلى التطبيق.

‏BEFF: الاقتصاد يدخل عمق البحر

مع الانتقال إلى يومي 28 و29 ماي، يتغير إيقاع النقاش داخل منتدى الاقتصاد الأزرق والتمويل، حيث يغادر المشاركون مساحة المبادئ العامة نحو أرضية أكثر واقعية: المال والاستثمار والبنية الاقتصادية.

هنا، لا يُطرح السؤال حول ضرورة حماية المحيطات، بل حول كيفية تحويل هذه الحماية إلى نموذج اقتصادي قابل للاستمرار.

يتوزع النقاش على أربعة مسارات مترابطة: تمويل الاقتصاد الأزرق، تطوير النقل البحري، إدارة الموارد الغذائية البحرية، وبناء إطار مالي وتنظيمي يسمح بإدماج البعد البيئي داخل القرارات الاستثمارية.

لكن خلف هذه العناوين التقنية، يظل السؤال الأعمق حاضرًا: كيف يمكن إقناع الأسواق المالية بأن حماية المحيطات ليست عبئًا إضافيًا، بل فرصة اقتصادية طويلة المدى؟

بين الطموح والواقع: فجوة لا تزال مفتوحة

رغم حجم الحضور الدولي في هذه القمم، فإن التحديات المطروحة تكشف أن الطريق ما يزال معقدًا.

فأول العقبات يتمثل في فجوة التمويل، حيث لا تزال الاستثمارات الموجهة لحماية المحيطات أقل بكثير من حجم الخسائر البيئية المتسارعة.

ثم تأتي إشكالية الحوكمة، إذ تظل أعالي البحار فضاءً قانونيًا هشًا، يعتمد على التوافقات الدولية أكثر مما يعتمد على آليات تنفيذ صارمة.

ويضاف إلى ذلك التناقض البنيوي بين منطق النمو الاقتصادي السريع ومنطق الحماية البيئية طويلة المدى، وهو تناقض يزداد حدة في الدول النامية التي تجد نفسها مضطرة للموازنة بين التنمية والالتزامات المناخية.

أما التغير المناخي، فيبقى العامل الذي يعيد خلط كل المعادلات، ويجعل أي تأخير في اتخاذ القرار أكثر كلفة من السابق.

مخرجات منتظرة تتجاوز التصريحات

ما يميز لقاء موناكو ليس فقط تعدد الفاعلين، بل حجم التوقعات المرتبطة به. فالمخرجات المنتظرة لا تقتصر على بيانات ختامية، بل تشمل رهانات عملية تتعلق بإعادة تشكيل العلاقة بين المال والبيئة.

من بين هذه المخرجات المتوقعة، الدفع نحو أدوات تمويل مبتكرة للاقتصاد الأزرق، وتسريع تنفيذ معاهدة أعالي البحار عبر آليات تطبيقية واضحة، إضافة إلى تعزيز الشراكات بين الحكومات والمؤسسات المالية والقطاع الخاص.

كما يُنتظر أن تخرج هذه القمم بتصورات جديدة للنقل البحري منخفض الانبعاثات، ولإدارة أكثر استدامة للموارد الغذائية البحرية، بما يربط بين الأمن الغذائي العالمي واستقرار النظم البيئية.

نحو إعادة تعريف علاقة العالم بالمحيطات

في نهاية المطاف، لا تبدو قمتا موناكو مجرد حدث دبلوماسي أو اقتصادي عابر، بل محاولة لإعادة تعريف موقع المحيطات داخل النظام العالمي نفسه.

فبينما تتسارع الأزمات البيئية، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من التفكير: مرحلة لم يعد فيها البحر مجرد فضاء طبيعي، بل أصل استراتيجي يحتاج إلى إدارة دقيقة، وتمويل طويل الأمد، وحوكمة تتجاوز حدود الدول.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، تصبح موناكو أكثر من مجرد مدينة تستضيف حدثًا دوليًا، بل نقطة اختبار لقدرة العالم على الانتقال من وعود الحماية إلى فعل الحماية نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى