سليديرمقالات

بين صخب الهزيمة وصمت البيئة: أين نوجّه غضبنا الجماعي؟

مبروكة خذير – كوزموس ميديا – تونس 

استيقظت اليوم على ضجيج رقمي غير عادي. إشعارات تتدفق بلا توقف، تعليقات تتقاطع، وغضب يتكاثر بسرعة تشبه انتشار النار في هشيم جاف. في ساعات قليلة فقط، تحوّل خبر الهزيمة الثقيلة للمنتخب الوطني أمام السويد إلى حدث وطني شامل، كأن البلاد بأكملها دخلت في “غرفة واحدة” تتناقش بصوت مرتفع واحد: لماذا خسرنا؟

لم يكن النقاش رياضياً بالمعنى الدقيق. لم يكن تحليل تكتيك أو تقييم أداء. كان شيئاً أقرب إلى الانفعال الجماعي، إلى إحساس بأن شيئاً أكبر من مباراة قد انكسر فجأة. مزيج من الإحباط، الحنين إلى صورة مثالية عن المنتخب، وشعور خفي بأن هذه الخسارة ليست سوى انعكاس لشيء أوسع من المستطيل الأخضر.

لكن الغريب، بل والمربك، أن هذه القدرة الهائلة على التجمع العاطفي حول حدث رياضي لا نجدها بالحدة نفسها حين يتعلق الأمر بحياة يومية تتآكل بصمت.

كأننا أمام مجتمع يعرف جيداً كيف يصرخ… لكنه لا يعرف دائماً أين يوجّه صوته.

في لحظة واحدة، يمكن لمباراة أن تحوّل آلاف الأشخاص إلى محللين، خبراء، وغاضبين. لكن حين يتعلق الأمر بالماء الذي يختفي تدريجياً من الآبار، أو بالنفايات التي تبتلع الشواطئ، أو بالمدن التي تختنق بالتلوث… يصبح الصوت أقل كثافة، وأكثر تشتتاً، وكأن القضية أقل استعجالاً، رغم أنها أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة.

في تونس، لم تعد البيئة موضوعاً جانبياً. إنها أصبحت الخلفية الصامتة لكل شيء.

هناك شواطئ، مثل بعض سواحل بنزرت، تقف أمامك كلوحة طبيعية مذهلة… ثم تكتشف فجأة أن جمالها محاصر بالبلاستيك والنفايات. هذا التناقض وحده كفيل بأن يربك أي إحساس بالانسجام. الطبيعة تقول شيئاً، والسلوك البشري يقول شيئاً آخر تماماً.

وفي العمق، تتكشف أرقام لا تحتاج إلى صراخ كي تكون صادمة:

تونس تعيش تحت ضغط مائي متصاعد، ضمن فئة الدول التي تعاني من “إجهاد مائي مرتفع”، حيث يقترب الطلب من حدود الموارد المتاحة. جزء كبير من المياه—يقارب 90%—يذهب إلى الزراعة، في بلد تتقاطع فيه أزمة المناخ مع هشاشة التخطيط. وفي الأثناء، يتراجع المخزون المائي الطبيعي عاماً بعد عام، بينما يصبح السؤال عن “الماء غداً” سؤالاً يومياً، لا نظرياً.

أما النفايات، فالقصة أكثر قسوة في صمتها:
أكثر من 2.5 مليون طن من النفايات المنزلية سنوياً تتكدس في الدورة البيئية، بينما تبقى نسب التثمين والتدوير محدودة، وغالباً أقل من 10% بشكل فعّال. الباقي يذهب إلى مكبات، أو إلى هوامش المدن، أو إلى البحر بطريقة غير مباشرة.

ومع ذلك، لا يحدث الانفجار الاجتماعي نفسه الذي نراه في لحظات رياضية.

هنا تظهر المفارقة الكبرى: المجتمع لا يفتقر إلى الإحساس، بل إلى استمرارية الإحساس.

الغضب موجود، لكنه موسمي. الاهتمام حاضر، لكنه ظرفي. الانفعال قوي، لكنه لا يتحول دائماً إلى فعل طويل النفس.

وهنا يمكن استحضار رؤية المفكر مصطفى محمود، الذي كان يلمّح في فلسفته إلى فجوة خطيرة بين “معرفة الشيء” و“العيش وفقه”. فالإنسان، في نظره، قد يدرك الحقيقة بوضوح، لكنه لا يتبناها كمسؤولية يومية إلا إذا تحولت إلى وعي داخلي عميق، لا مجرد إدراك عابر.

وهذا بالضبط ما يحدث في علاقتنا مع البيئة: نحن نعرف… لكننا لا نعيش المعرفة.

نرى التلوث، نشتكي منه لحظياً، ثم نعود إلى إيقاع الحياة نفسه. نعلم أن الماء يتقلص، لكننا نتعامل مع الأزمة كأنها مؤجلة. ندرك أن الشواطئ تتدهور، لكننا لا نحول ذلك إلى ضغط مستمر، أو إلى سلوك جماعي مختلف.

وفي المقابل، كرة القدم تقدم نموذجاً مختلفاً تماماً: حدث واضح، نتيجة فورية، عاطفة جاهزة للاشتعال، وفضاء مفتوح للتعبير. لذلك تنجح في ما لا تنجح فيه قضايا أكثر عمقاً: إنها تُرى بسهولة، وتُناقَش فوراً، وتُستهلك بسرعة.

لكن البيئة ليست مباراة. لا تنتهي عند صافرة. ولا تعود إلى نقطة البداية في الأسبوع التالي.

إنها مسار بطيء، تراكمي، يشبه كتابة طويلة تُكتب يومياً دون أن نلاحظ الفصول التي تتغير داخلها.

وحين ننظر من بعيد، ندرك أن السؤال الحقيقي ليس لماذا نهتم بكرة القدم أكثر، بل: كيف نحول لحظات الانفعال الجماعي إلى طاقة وعي مستمرة، لا تنطفئ بانتهاء الحدث؟

لأن الهزيمة الحقيقية ليست في مباراة… بل في المساحات التي نفقدها بصمت: في الماء، في الهواء، في الأرض، وفي قدرتنا على تحويل الغضب إلى فعل.

وما بين صخب اللحظة وصمت التراكم، يُكتب مستقبل بلد لا يخسر مباراة واحدة… بل يخوض يومياً مباريات طويلة لا يعلن عن نتائجها أحد.

زر الذهاب إلى الأعلى