كوسموس ميديا: نور عبد الله – فرنسا
الساعة تشير إلى الثانية والنصف بعد الظهر في باريس، فرنسا. شابة في السابعة والعشرين من عمري. لا يوجد تشخيص سلبي في ملفي الطبي، ولا هشاشة صحية سابقة ورغم ذلك، أشعر بأن شيئاً ما بدأ يتفكك ببطء. أجلس على مكتبي، وأعمل عن بُعد. شاشة الحاسوب أمامي، مضاءة، والنهار يمضي وكأن لا شيئ يحصل. في الخارج، الحرارة 40 درجة مئوية أما في الداخل، 38 درجة. لكن الأرقام لم تعد تصف فارقاً، بل استمرارية للحر الشديد، الذي يعم الأماكن، بلا حد، بلا ملجأ، ليبتلع كل شيء.
في بضع ثوانٍ، أصبح جسدي فضاءً غريبا عني. تتوتر عضلاتي لتصبح كخيوط مشدودة، عاجزة عن استعادة مرونتها. يفقد الدم خفة دورانه، ويبدو أنه يتباطأ، وكأن الحرارة حوّلت الحياة الداخلية إلى مادة ثقيلة. لم يعد ماء الحمام مهدئاً، بل أصبح ساخناً جداً، يكاد يكون حارقاً وحتى المسبح لم يعد ملجأً، فقد بلغت حرارته 41 درجة؛ ليبدو كمنتجع صحي في جبال الألب خلال فصل الشتاء.
أشرب آخر زجاجات الماء البارد وكأنني ألتقط اخر شظايا الحياة، قبل أن تقرر الاستسلام قبلي. يتوقف جسدي عن المحاولة لينقطع بشكل كامل ويختفي عن العالم لبضع دقائق. ثم أستيقظ في سيارة مكيفة، وكأنني انتُزعت من عالم آخر. يجلس أمامي، طبيب يتحدث بكلمات هادئة، تبدو لي بعيدة. لقد أشبعت الحرارة جسدي، وأجبرته على حدود أقصاه وأضعفته حتى الانهيار.
هذه قصتي التي لم تعد معزولة في فرنسا، بل يعيشها العديد من الأشخاص الذين يواجهون موجة حر تاريخية. شابة، بصحة جيدة، تحت سقف المنزل، ورغم ذلك أصبحت الحرارة صعبة التحمل، فكيف يبدو الحال بالنسبة للذين لا توجد لهذه الحماية؟ كبار السن، والمرضى، والمشردون، والعمال الذين يتعرضون بشكل مباشر ومستمر.
ضحايا موجة الحر
في ثلاثة أيام فقط، بين 24 و26 جوان، ازدادت حالات الدخول إلى المستشفيات المرتبطة بالحرارة، مع تسجيل حوالي 1000 حالة وفاة إضافية مقارنة بالمعدل الطبيعي، وفق ما أعلنته الوكالة الوطنية للصحة العامة يوم الأحد 28 من الشهر نفسه. ومن المتوقع أن يرتفع العدد، حيث تظهر آثار الحرارة بعد عدة أيام من التعرض لها.
تشمل 85% من الوفيات أشخاصاً تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر، وفق التقديرات الأولية، لكن كبار السن ليسوا الوحيدين المتضررين؛ فقد سُجلت أيضاً زيادة في حالات الإغماء بين بالغين أصغر سناً وبصحة جيدة. وتقدم هذه الحصيلة قراءة أولية للوفيات الزائدة المرصودة، لكنها لا تزال جزئية. كما وتوضح وكالة الصحة العامة أن ملاحظاتها بدأت يوم الأربعاء، تاريخ اشتداد موجة الحر، مع درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية على جزء واسع من الأراضي الفرنسية.
وفي مواجهة هذا الضغط، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان ليكورنو، تفعيل خطة “أورسان إيبي-كليم” (Orsan EPI-CLIM) عند المستوى الثالث اذ يتيح هذا النظام تنسيق منظومة الصحة بأكملها لمواجهة تدفق المرضى وتعزيز القدرات الاستشفائية.
وضعية تعيد الذكرى بالدولة الفرنسبة الى صيف 2003، عندما فقدت فرنسا قرابة 15000 شخص في بضعة أسابيع. وبعد ثلاثة وعشرين عاماً، تعود المقارنة في خطابات المسؤولين الصحيين، كتحذير. اذ تتوقع الأرصاد الجوية الفرنسية إمكانية حدوث موجات حر أطول بخمس مرات من موجة 2003، وفقاً لوزارة الانتقال البيئي، مما قد يزيد من معدلات الوفيات التي شهدتها في 2003.
عملياً، في درجات حرارة تتجاوز 35 درجة، يمكن لآلية التبريد الطبيعية لجسم الإنسان أن تصل إلى حدودها. ويتفاقم الوضع أكثر عندما ترتفع درجة الحرارة والرطوبة معاً، ويصبح تبخر العرق أقل فعالية. فبدءاً من عتبات معينة، يجد الجسم صعوبة في طرد الحرارة المتراكمة، وبالتالي ترتفع الحرارة الداخلية بسرعة، مما يسبب حالة إجهاد حراري شديد، وهي حالة يمكن أن تؤثر حتى على الدماغ، مع عدة أعراض مثل الصداع والدوخة وحتى فقدان الوعي.
يمكن أن يتدهور الوضع، خاصة مع الليالي الاستوائية المتكررة، حيث لا تنخفض درجة الحرارة عن 20 درجة مئوية. في شهر مارس، وبمناسبة يوم النوم، صرّح 81% من الفرنسيين بأنهم عانوا من ليالٍ مضطربة خلال نوبات الحر الأخيرة، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة “أوبينيون واي” للمعهد الوطني للنوم واليقظة. ولم يعد يسمح هذا الوضع للجسم بالتعافي، اذ يزداد الإرهاق تراكماً يوماً بعد يوم. في فرنسا، تستمر موجة الحر في حصد الأرواح، وكذلك البحث عن البرودة، فمنذ بداية موجة الحر في فرنسا في 18 جوان، فقد 74 شخصاً حياتهم أيضاً غرقاً.
أرقام قياسية للحرارة الشديدة في فرنسا
تعاني المدن الفرنسية من حالة ااختناق قسوى أين تتحول الشقق، وحتى المنازل الكبيرة، إلى مساحات لاحفة يصبح فيها التنفس صعباً، والنوم معركة، والراحة نخل بوعودها. ففي القارة الأوروبية، التي ترتفع حرارتها أسرع مرتين من المعدل العالمي وفقاً لتقرير معهد كوبرنيكوس للمناخ لعام 2025، يقدر العلماء أنه غي حال استمرار الاحتباس الحراري، فإن نوبات الحر، التي كانت نادرة (مرة أو بضع مرات في القرن)، قد تحدث عدة مرات خلال جيل واحد. وفي فرنسا، أعتبرت موجة الحرمنذ زمن طويل حدثاً نادراً، لكن اليوم، أصبحت موجات الحر الشديدة أكثر تواتراً وشدة وطولاً. اذ رصدت البلاد هذا الأسبوع واحدة من أشد الحلقات حرارة في تاريخها، مع يوم من بين الأيام الأكثر حرا على الإطلاق، ودرجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية على جزء واسع من الأراضي. وفقاً للبيانات الجوية، تحتل البلاد مرتبة بين المناطق الأكثر سخونة في العالم خلال الفترة المرصودة، بمستويات حرارية تفوق 99% من باقي دول العالم.
كما سجلت عدة مدن أرقاماً قياسية هذا الأسبوع. في بوردو، بلغ مقياس الحرارة 42.1 درجة مئوية. أما سانت فقد سجلت 42 درجة ونيور 42.2 درجة، بينما ارتفعت كازو إلى 43.3 درجة. في الوقت نفسه، تظهر خرائط اليقظة للأرصاد الجوية الفرنسية وضعاً حرجاً، حيث تم وضع ما يقرب من ثلاثة أرباع الأراضي، أي حوالي 72 إقليماً، في حالة تأهب قصوى بسبب موجة الحر. كما أن بقية البلاد معنية بمستويات تأهب مرتفعة. حرارة تمتد على كامل التراب الفرنسي وتطال فئات مختلفة، بدرجات متفاوتة ولكن بمخاطر مشتركة ومعممة.
بعيداً عن الأرقام، يتعزز أيضاً إدراك الخطر الحراري، اذ لا تتلخص الحرارة في قيمة معروضة على مقياس حرارة، بل تعتمد أيضاً على رطوبة الهواء، التي تضاعف بشكل كبير الشعور البشري. فعند متوسط درجة حرارة 36 درجة مئوية بعد الظهر، يمكن للهواء الجاف الذي تبلغ رطوبته حوالي 30% أن يجعل الجسم يشعر بحوالي 40 درجة مئوية. ولكن مع نسبة رطوبة أعلى، حوالي 60%، يمكن أن تصل درجة الحرارة المحسوسة إلى 50 درجة مئوية.وفي هذه الظروف، يدخل الانسان في منطقة إجهاد حراري شديد، حيث تصبح الحرارة خطراً مباشراً على الصحة.
البنية التحتية تحت الضغط
في فرنسا، أصبحت المراوح، ومكيفات الهواء المتنقلة، أو الحلول المؤقتة لمكافحة الاختناق، سلعاً نادرة. اذ تختفي من الرفوف، وتُمسح من المواقع، ويتعذر العثور عليها في حالة الطوارئ. ففي يوم الاثنين فقط، تم بيع ما يقرب من 30000 من هذه الأجهزة في شبكة توزيع “كارفور”، أي ألف مرة أكثر من المعتاد.
“أتجول في المتاجر صباحاً، ظهراً، وبعد الظهر لأحاول العثور على مروحة أو مكيف، لكني لا أجد شيئاً”، يروي باسكال، فرنسي يبلغ 56 عاماً، لكوسموس ميديا.
وتتأخر عمليات التسليم، أحياناً حتى شهرين. “فقدت الأمل في العثور على مروحة، حتى الصغيرة غير متوفرة. حاولت الطلب من مواقع الإنترنت، لكن أقرب موعد للتسليم هو منتصف جويلية”، تروي صوفي، فرنسية تبلغ 27 عاماً، لكوسموس ميديا.
يبرز ذلك أن ما يحدث في فرنسا، يتجاوز النوبة الجوية ويخلف صراعات بين مناخ يزداد اضطراباً ومجتمع لا يزال يتعلم البقاء على قيد الحياة في هذه الظروف غير المعتادة. اذ ترتفع حرارة أوروبا، القارة التي طالما ارتطبت بالبرد، كل عام أكثر. فخلال السنة الفارطة وفي غياب أجهزة تبريد مناسبة، أطفأ جهاز الكمبيوتر وهاتفي بسبب الحرارة في مكتبي، رغم أنه كان مزوداً فقط بمروحة صغيرة، داخل مؤسسة كبيرة.
تظهر هذه التجربة أنه حتى الإدارات، والمؤسسات العامة والخاصة، وأماكن العمل، ليست كلها مجهزة ببنية تحتية مناسبة للحرارة. في بلد صممت بنيته التحتية للحفاظ على الحرارة بين خمسينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته حسب القطاعات، للاستجابة لمناخ كان تاريخياً أكثر برودة. ويبدو الوضع أكثر صعوبة خاصة في المراكز الحضرية اذ تعاني العديد من الشقق المعرضة للشمس من مستويات عالية من الحرارة، خاصة في الطوابق العليا التي تصل أحياناً إلى درجات حرارة مماثلة، أو حتى أعلى، من المسجلة في الخارج.
على عكس بعض دول البحر الأبيض المتوسط، فإن التكييف ليس منتشراً في فرنسا، اضافة لوجود عدد من القرارات الصارمة التي تقيد استعمال بعض الأنواع من المكيفات الهوائية. ففي باريس، على سبيل المثال، واجهات المباني المحمية من قبل مهندسي المباني الفرنسيين لا يمكن إخضاعها لتعديلات جمالية. ومع ذلك، فإن معظم مكيفات الهواء تتطلب وحدة خارجية، مما يستلزم إعلاناً مسبقاً لدى دائرة التخطيط العمراني في البلدية، بالإضافة إلى ترخيص من الجمعية العامة للمالكين المشتركين، لأن تركيبها يغير المظهر الخارجي للمبنى ويؤثر على الأجزاء المشتركة.
وحتى سائل النقل ليست بمنأى عن هذه الموجة، مع قطارات ملغاة، ورحلات جوية مؤجلة. أما المحطات النووية فهي مقيدة، ومراكز البيانات مهددة. نوبات من الحرارة الشديدة وموجات حر لم يعد أي إقليم بمنأى عنها، لا أفقر البلدان، ولا القوى الاقتصادية الكبرى في العالم رغم امتلاكها إمكانيات هائلة. فهي فترات أصبحت متتكررة وشديدة الحدة، وتحمل بصمة تغير مناخي يبدو في أسوء تجلياته.
التكاليف الاقتصادية والصدمة الزراعية في فرنسا
في بلد مصنف كسابع قوة اقتصادية عالمية في عام 2025، قد تؤدي فترات الحر هذه إلى خسائر في الناتج المحلي الإجمالي تعادل 240 مليار دولار (206 مليار يورو)، بين عامي 2026 و2030، وفقاً لتقدير شركة “أليانز ترايد”. ما يجعل فرنسا واحدة من أكثر البلدان تضرراً، أكثر من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا. كما تضعف موجات الحر المالية العامة وذلك بسبب تباطؤ النشاط الاقتصادي، وانخفاض الإيرادات الضريبية. وتُقدر الخسائر السنوية بـ 1.8% في فرنسا، و1.3% في إيطاليا وإسبانيا، و0.7% في ألمانيا، وفقاً لدراسة “أليانز ترايد” المنشورة يوم الخميس 28 ماي 2026.
وفي الوقت نفسه، نفقت عدة ملايين من حيوانات المزارع بسبب موجة الحر، وتدهورت الفواكه والخضروات، وانخفض إنتاج القمح. “نحن نعيش كارثة زراعية كبرى، تنضم إلى صدمة 2003 باعتبارها أكبر مأساتين حيوانيتين في التاريخ الحديث للزراعة الفرنسية”، يصف المهندس الزراعي سيرج زاكا.
في منطقتي كوت دآرمور وموربيهان، تضررت بعض مزارع الدواجن والخنازير بشدة جراء موجة الحر، حيث “نفق ما يصل إلى 10000 طائر في ليلة واحدة”، حسب ما أكد ه تيري هويل، رئيس اتحاد نقابات المزارعين في المقاطعة، لإذاعة ايسي ارموريك، يوم الأربعاء 24 جوان. وفي مواجهة هذا الوضع، يؤكد زاكا على ضرورة وضع خطة وطنية حقيقية لتجديد حظائر الماشية.
تلوح في الأفق حصيلة اقتصادية وبشرية ثقيلة بعد عدة أيام من موجة الحر، مع تفاقم متوقع في الأيام القادمة. تواجه البلاد التي بالكاد تعافت من نوبة 24 و26 جوان توقعات جديدة مثيرة للقلق، حيث تظهر العديد من النماذج الجوية تشكل كتلة هوائية مرتفعة الضغط فوق البلاد في بداية شهر جويلية، مايعزز ارتفاع هواء حار جداً من الجنوب وقد تبدأ هذه الظاهرة حوالي 6 جويلية وتمتد حتى 12، أو حتى 14 جويلية، بقوة وصفت بغير مسبوقة.




