مبروكة خذير – كوزموس ميديا
في صيف استثنائي لم تعرفه تونس منذ سنوات، أصبحت الحرارة العالية أكثر من مجرد ظاهرة مناخية عابرة. درجات تجاوزت بانتظام 45 درجة في عدد من مناطق البلاد، ورطوبة خانقة جعلت الحياة اليومية أكثر صعوبة، فيما وجدت المنظومة الكهربائية نفسها أمام اختبار غير مسبوق بسبب ارتفاع الطلب على الطاقة، خصوصًا مع الاستخدام المكثف لأجهزة التبريد.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن قطع التيار الكهربائي يأتي في إطار الحفاظ على توازن الشبكة وتجنب انهيار المنظومة، فإن هذه الإجراءات تحمل في الجانب الآخر كلفة إنسانية واقتصادية ثقيلة. فبالنسبة لآلاف المواطنين، لم تعد المسألة مجرد انقطاع مؤقت للكهرباء، بل أصبحت تهديدًا مباشرًا لمصادر رزقهم، لمشاريعهم الصغيرة، ولأمنهم النفسي.
في الظلام، لا تختفي فقط الأضواء… بل تختفي معها أحيانًا سنوات من العمل، ومدخرات العمر، وأحلام أصحاب مشاريع بنوها بصعوبة في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
نابل… مشروع عمر يتحول إلى رماد في دقائق
على الطريق الرابطة بين نابل وتونس، لا تزال آثار الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة حاضرة. إطارات محترقة، بقايا رماد، وحجارة متناثرة على جوانب الطريق، مشاهد تختصر حالة غضب عاشها السكان خلال الليلة الماضية.
خرج المواطنون إلى الشوارع احتجاجًا على تكرر انقطاعات الكهرباء والمياه، في فترة أصبحت فيها درجات الحرارة المرتفعة تجعل غياب الخدمات الأساسية أكثر قسوة. أغلق المحتجون الطريق المؤدية إلى العاصمة، مطالبين بحلول عاجلة لوضع وصفوه بأنه تجاوز حدود الاحتمال.
صباح اليوم، عادت حركة المرور إلى طبيعتها، لكن الشعور بالاحتقان بقي حاضرًا. فخلف الاحتجاجات، توجد قصص فردية تختصر حجم المعاناة.
إحدى هذه القصص هي قصة نادية الساسي، شابة اختارت منذ سنوات أن تبني مشروعها الخاص، مؤمنة بأن العمل والاستثمار يمكن أن يكونا طريقًا للاستقلال وتحقيق الذات.
منذ سنة 2014، عملت نادية على تطوير مشروع متخصص في حفظ العسل البيولوجي وصناعة مستحضرات تجميل تعتمد على منتجات النحل. سنوات من البحث والتجربة والاستثمار، جعلت من مشروعها مصدر رزق لها ولعدد من العائلات.
لكن خلال دقائق قليلة، تحول كل شيء إلى رماد. تقول نادية إن الانقطاعات المتكررة للكهرباء، ثم عودة التيار بشكل مفاجئ، تسببت – حسب شهادتها – في عطب كهربائي أدى إلى اندلاع حريق داخل مستودعها و تضيف بنبرة حزن “لم أتخيل يومًا أن أرى كل ما بنيته يحترق أمام عيني. عشر سنوات من العمل اختفت في لحظات”.

داخل المكان، لم يبقَ سوى جدران سوداء تفوح منها رائحة الحريق، وآلات إنتاج متضررة، ومواد أولية تحولت إلى مخلفات. مئات الكيلوغرامات من العسل أتلفت، معدات التصنيع والتغليف دمرت بالكامل، ومشروع كان يمثل حلمًا شخصيًا تحول إلى عبء ثقيل.
لكن بالنسبة لنادية، الخسارة لا تقاس فقط بالأرقام. فوراء الآلات والمواد، هناك حياة كاملة كانت مرتبطة بهذا المشروع.
تقول نادية إن المشروع لم يكن يوفر مورد رزق لعائلتها فقط، بل كان مصدر دخل لست عائلات أخرى وجدت نفسها اليوم أمام مستقبل مجهول. ..“أنا اليوم مطالبة بمواصلة تسديد القرض البنكي الذي حصلت عليه لتطوير المشروع، لكنني فقدت المشروع نفسه. كيف يمكن لشخص أن يبدأ من جديد وهو يحمل كل هذه الالتزامات؟”
بين الصدمة والخوف، تجد نادية نفسها أمام معركة جديدة: محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والبحث عن إمكانية إعادة الانطلاق.
وتطالب بفتح تحقيق لتحديد المسؤوليات، ووضع آليات لحماية أصحاب المشاريع الصغرى الذين أصبحوا أكثر هشاشة أمام اضطرابات الطاقة…“نحن لا نطلب المستحيل، نريد فقط حماية تعبنا. المشاريع الصغيرة ليست مجرد محلات، إنها عائلات تعيش منها”.

نادية الساسي… امرأة راهنت على النحل فابتلع الحريق سنوات من التعب والأمل
لم يكن مشروع نادية الساسي مجرد نشاط فلاحي أو مصدر دخل. كان بالنسبة إليها قصة حياة كاملة، رحلة امرأة اختارت طريقًا غير مألوف، في قطاع ما تزال النساء فيه قليلات الحضور، عالم تربية النحل وإنتاج العسل، حيث الصبر هو رأس المال الأول، وحيث لا تُقاس النجاحات بالأيام بل بالسنوات.
قبل أن تصل إلى مرحلة تحويل العسل إلى منتجات بيولوجية ومستحضرات تجميل، كانت نادية تبني مشروعها خليةً خلية، كما يبني النحل مستعمرته بصمت ودقة. أكثر من عشر سنوات قضتها في هذا المجال، بين التعلم والتجربة والميدان، بحثًا عن أفضل طرق الإنتاج، وعن المراعي المناسبة لخلاياها، وعن كيفية تطوير مشروع قادر على الصمود في سوق مليء بالتحديات.
لم يكن طريقها سهلًا. فخلف كل عبوة عسل كانت هناك رحلة طويلة من التعب والتنقل والمراقبة اليومية. كانت تنتقل بين المناطق، تلاحق مواسم الإزهار، وتبحث عن الظروف الطبيعية الأفضل لخلايا النحل. أحيانًا كانت تغادر في ساعات متأخرة من الليل، وتقطع المسافات لمتابعة خلاياها، لأن عالم النحل لا يعرف عطلة ولا ينتظر.
تروي نادية رحلتها قائلة:“أنا لم أجد هذا المشروع جاهزًا أمامي. بنيته خطوة بخطوة. كل شيء بدأ من الشغف، ثم تحول إلى مسؤولية كبيرة. دفعت من وقتي ومن صحتي ومن حياتي الخاصة. كنت أتنقل بين المدن والجهات، أبحث عن الأماكن المناسبة للنحل، وأتابع الخلايا في الليل والنهار، لأن تربية النحل ليست مجرد وضع خلايا وانتظار العسل. هي عمل يومي ومتواصل، وهي ارتباط كامل بالطبيعة.”
وتضيف وهي تستعيد سنوات العمل الطويلة: “كنت من بين النساء القليلات في تونس اللواتي اخترن هذا المجال. الأمر لم يكن سهلًا، لأن قطاع تربية النحل يحتاج إلى نفس طويل، وإلى قدرة على تحمل الصعوبات. أحيانًا تنتظر موسمًا كاملًا، ثم تأتي ظروف مناخية أو مشاكل أخرى فتؤثر على الإنتاج. لكنني واصلت لأنني كنت أؤمن بأن هذا القطاع يمكن أن يكون له مستقبل.”
لكن هذا المستقبل الذي عملت نادية من أجله سنوات، تعرض خلال دقائق إلى ضربة قاسية.
اليوم، تقف أمام مشروعها الذي تحول إلى فضاء أسود تملؤه آثار الحريق. آلات الإنتاج التي اختارتها بعناية، معدات التغليف، كميات العسل التي راكمتها، والمواد الأولية التي كانت تمثل ثمرة سنوات من العمل… كلها أصبحت مجرد بقايا.
بالنسبة إليها، لم تكن الخسارة مجرد أرقام مالية يمكن تعويضها، بل كانت فقدانًا لجزء من حياتها.
تقول بصوت تختلط فيه الحسرة بالصدمة: “ما حدث لي ليس خسارة مادية فقط. أنا فقدت سنوات من عمري. عندما ترى مشروعًا بنيته بيديك يحترق أمامك في دقائق، تشعر وكأن جزءًا منك احترق معه. كل التعب، كل السهر، كل التنقلات، كل التضحيات… تراها تختفي أمام عينيك.”
وتتابع: “لقد دفعت الغالي والنفيس حتى يصل هذا المشروع إلى هذه المرحلة. لم يكن الأمر مجرد محل أو مستودع، كان حلمًا بنيته لسنوات. كنت أعتقد أنني وصلت إلى مرحلة من الاستقرار، لكنني وجدت نفسي فجأة أعود إلى نقطة الصفر.”
وراء كلمات نادية، يظهر شعور عميق بالقهر. ليس فقط بسبب حجم الخسارة، بل بسبب الإحساس بأنها لم تستطع حماية تعبها من عامل خارج عن إرادتها.
تقول: “أصعب إحساس هو أن تخسر شيئًا لم يكن بسبب تقصير منك. عندما يخطئ الإنسان يمكنه أن يصلح خطأه، لكن عندما تأتي الخسارة بسبب ظروف لا تملك السيطرة عليها، تشعر بالعجز. تشعر أنك عاجز عن حماية تعبك، وهذا إحساس مؤلم جدًا.”
اليوم، لا تواجه نادية فقط آثار الحريق، بل تواجه أيضًا سؤال المستقبل. فالمشروع الذي كان من المفترض أن يوفر لها الاستقرار، أصبح عبئًا جديدًا، خاصة أنها لا تزال مطالبة بتسديد القرض البنكي الذي حصلت عليه لتطوير نشاطها.
تقول: “اليوم أفكر كيف سأبدأ من جديد. لدي التزامات مالية، لدي قرض ما زلت أسدده، والمشروع الذي كان يساعدني على الوفاء بهذه الالتزامات لم يعد موجودًا. إعادة بناء مشروع في قطاع تربية النحل ليست مثل إعادة فتح محل في يوم واحد. نحن نتحدث عن سنوات من العمل حتى تعود إلى نفس المستوى.”
لكن قصة نادية لا تختصر فقط معاناة مشروع واحد، بل تكشف أيضًا صعوبات قطاع كامل يعيش تحت ضغوط متزايدة.
فتربية النحل في تونس تواجه منذ سنوات تحديات كبيرة: تغير المناخ، تراجع المساحات الرعوية، فترات الجفاف، ارتفاع تكلفة المعدات، وصعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج.
وتقول نادية: “المهنيون في قطاع تربية النحل يعانون من مشاكل كثيرة لا يراها الناس. هناك ارتفاع كبير في كلفة الإنتاج، وهناك صعوبات في توفير المعدات، وهناك تأثير مباشر للتغيرات المناخية على النحل وعلى الإنتاج. نحن نعمل في قطاع مرتبط بالطبيعة، وأي اضطراب في الطبيعة ينعكس علينا مباشرة.”
وتضيف: “تربية النحل ليست فقط إنتاج العسل. هي مرتبطة بالتنوع البيولوجي، وبالفلاحة، وبالتوازن البيئي. عندما نخسر نحّالًا أو مشروعًا صغيرًا في هذا المجال، فنحن لا نخسر فقط منتجًا، بل نخسر جزءًا من منظومة كاملة.”
بالنسبة لنادية، ما حدث يجب أن يكون رسالة حول هشاشة أصحاب المشاريع الصغرى، الذين يحملون وحدهم أعباء الاستثمار والمخاطر.
وتختم: “لا أريد أن تضيع تجربتي هباءً. أريد أن يفهم الناس أن وراء كل مشروع صغير إنسانًا تعب وضحى. أصحاب المشاريع والفلاحون لا يحتاجون فقط إلى كلمات تضامن، بل يحتاجون إلى حماية حقيقية، وإلى آليات تساعدهم عندما تواجههم أزمات لا يستطيعون التحكم فيها.”
في انتظار أن تستعيد مشروعها، تبقى نادية أمام جدران سوداء تحمل آثار الحريق، لكنها تحمل معها أيضًا قصة امرأة اختارت أن تقاوم في قطاع صعب، وأن تبني من تعبها مشروعًا يشبهها… مشروعًا قد يكون احترق، لكنه لم يطفئ بعد رغبتها في العودة.
الخسائر غير المرئية… حين يصبح انقطاع الكهرباء مصدر قلق دائم
قصة نادية ليست حالة معزولة. ففي مناطق عديدة من ولاية نابل، يعيش المواطنون الوضع نفسه، بين الخوف من تلف المواد الغذائية، وتعطل المعدات، وتراجع النشاط التجاري.
في دار شعبان، وعلى بعد كيلومترات قليلة من ورشة نادية، يعيش الفلاح منذر بوستة أزمة يومية بسبب انقطاع الكهرباء. بالنسبة إليه، أصبحت الثلاجة مصدر قلق بدل أن تكون وسيلة لحفظ الغذاء.
ساعات طويلة دون تيار كهربائي تعني خسارة مباشرة للمنتجات المخزنة. “أفتح الثلاجة وأجد أن كل شيء أصبح مهددًا بالتلف. أحيانًا أضطر إلى التخلص من مواد اشتريتها بأموالي. هذه خسارة لا يراها أحد، لكنها تتكرر كل يوم”.
بالنسبة لمنذر بوستة، المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بقيمة المواد التي تفسد، بل بالإحساس بالعجز. فالفلاح أو التاجر أو صاحب المشروع الصغير لا يملك دائمًا وسائل بديلة للحماية من انقطاع الطاقة.
أجهزة التبريد، معدات العمل، وسائل الإنتاج… كلها أصبحت رهينة عودة التيار. ويضيف إبراهيم أن العديد من سكان المنطقة يعيشون المعاناة نفسها:
مواد غذائية يتم التخلص منها، أجهزة كهربائية تتعرض للأعطاب، نشاطات تتوقف، وأسر تجد نفسها أمام مصاريف إضافية في وقت أصبحت فيه القدرة الشرائية تحت ضغط كبير. “أصعب شيء ليس فقط الخسارة المادية، بل الشعور بأنك لا تستطيع حماية تعبك”.
برج الوزير… التجار في مواجهة الخسارة ساعة بعد أخرى
في حي برج الوزير، شمال العاصمة، لا يُقاس الوقت اليوم بعقارب الساعة، بل بعدد الساعات التي يغيب فيها التيار الكهربائي. فمنذ ساعات الصباح، انقطع الكهرباء عن المنطقة، وعند حدود الساعة الثالثة بعد الظهر، ما يزال الظلام يخيم على المحلات، فيما يتحول انتظار التجار إلى حالة من القلق المتواصل، بين الخوف من الخسارة والعجز عن حماية مصدر رزقهم.

داخل محل الجزارة، يقف معز حناشي أمام ثلاجات حفظ اللحوم، يتفقد الوضع مرة تلو الأخرى، وكأن كل دقيقة تمرّ تقرّب بضاعته من التلف. هنا، لا يتعلق الأمر بمجرد انقطاع عابر، بل بسلسلة تبريد تمثل الفارق بين الحفاظ على مورد رزقه وخسارة تعب أيام طويلة.
يقول معز وهو يتابع درجات الحرارة داخل الثلاجة: “نحن لا نتعامل مع سلعة عادية، اللحوم تحتاج إلى ظروف حفظ دقيقة. عندما ينقطع الكهرباء لساعات طويلة، يصبح الخوف أكبر من قدرتنا على التصرف. كل دقيقة تأخير تعني احتمال خسارة جديدة.”
خلال الأيام الماضية، اضطر معز، مثل عدد من زملائه، إلى التخلص من كميات من المنتجات بعد أن عجز عن ضمان سلامتها. خسائر تتراكم بصمت، لكنها تضغط بقوة على أصحاب المحلات الصغيرة الذين يعيشون يومًا بيوم.
ويضيف: “في الأيام الأخيرة رميت كميات من اللحوم، وهذا أمر مؤلم لأن وراءها أموالًا ومجهودًا. نحن نشتري، ندفع، نعمل، ثم نجد أنفسنا مجبرين على التخلص من السلعة لأننا لم نعد نملك وسيلة لحمايتها.”

بالنسبة إليه، لم تعد المشكلة مرتبطة فقط بالخسارة المادية، بل أصبحت تهدد طريقة عمله بالكامل. فذبح بقرة أو خروف يتطلب رأس مال كبيرًا، لكن في ظل انقطاعات متكررة للكهرباء، تتحول كل عملية شراء إلى مخاطرة غير محسوبة.
يشرح معز: “لم أعد أستطيع العمل بنفس الطريقة التي كنت أعمل بها من قبل. عندما أشتري كمية كبيرة، يبقى السؤال: هل سأتمكن من الحفاظ عليها؟ هل سيبقى التيار الكهربائي موجودًا؟ هذا القلق أصبح يرافقنا في كل قرار.”
وللتقليل من حجم الخسائر، اضطر بعض الجزارين إلى تغيير طريقة عملهم. تقليص الكميات، تنظيم عمليات الذبح، ومحاولة بيع المنتجات في اليوم نفسه أصبحت حلولًا اضطرارية لتفادي خسائر أكبر.
لكن هذه الإجراءات تبقى مجرد مسكنات مؤقتة أمام أزمة أعمق. فبالنسبة لمعز حناشي، كما بالنسبة لعدد كبير من أصحاب المهن التي تعتمد على التبريد، فإن انقطاع الكهرباء لم يعد مجرد إزعاج يومي، بل أصبح تهديدًا مباشرًا لاستمرارية نشاطهم ومصدر رزق عائلاتهم.
من الخسارة الاقتصادية إلى الاستنزاف النفسي… حين يتحول انقطاع الكهرباء إلى عبء يومي
خلف أبواب المحلات المغلقة، وبين رفوف البضائع التي فقدت قيمتها أو آلات الإنتاج التي توقفت عن العمل، توجد زاوية أخرى من الأزمة لا تظهرها الأرقام ولا تحصيها التقارير: إنها كلفة القلق والضغط النفسي الذي يعيشه أصحاب المشاريع الصغيرة يومًا بعد آخر.
بالنسبة لهؤلاء، الكهرباء ليست مجرد خدمة أساسية، بل هي شريان الحياة الذي يضمن استمرار نشاطهم وقدرتهم على الصمود. كل انقطاع مفاجئ لا يعني فقط غياب الضوء، بل يفتح بابًا جديدًا للخوف والأسئلة الثقيلة:
هل ستبقى البضاعة صالحة أم ستتحول إلى خسارة جديدة؟
هل سيتوقف الإنتاج ويتعطل مصدر الدخل؟
هل سيكون بالإمكان دفع أجور العاملين في نهاية الشهر؟
وهل يمكن أصلًا تعويض خسائر لم يكن لهم أي دور في حدوثها؟
مع تكرار هذه الانقطاعات، يتحول الانتظار إلى ضغط يومي، ويتراكم الإحساس بالعجز لدى أصحاب مشاريع بنوها بسنوات من العمل والتضحيات. فالتاجر الذي يسدد فواتيره، وصاحب الورشة الذي يحاول الحفاظ على نشاطه، ورب العمل الذي يحمل أعباء القروض والأجور، يجد نفسه أمام خسائر تفرض عليه من خارج إرادته، دون أن يمتلك أدوات حقيقية لتجنبها.
إنها ليست فقط أزمة في التيار الكهربائي، بل أزمة في الشعور بالأمان الاقتصادي، حين يصبح مستقبل مشروع صغير مرتبطًا بلحظة انطفاء مفاجئة.
أزمة طاقة في زمن مناخي متغير
تكشف هذه الشهادات أن أزمة الكهرباء لم تعد مجرد مسألة تقنية مرتبطة بتوازن الشبكة أو حجم الإنتاج، بل أصبحت قضية اجتماعية واقتصادية تعكس مدى قدرة المجتمع على مواجهة واقع مناخي جديد.
فارتفاع درجات الحرارة القياسية يرفع الطلب على الطاقة ويضاعف الضغط على المنظومة الكهربائية، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة قطاعات واسعة تعتمد كليًا على استقرار التيار الكهربائي، من الصناعات الصغيرة إلى التجارة والخدمات.
وبينما تعمل الدولة على ضمان توازن الشبكة وتأمين حاجيات الاستهلاك، يبقى سؤال آخر يطرحه المتضررون:
من يحمي أصحاب المشاريع الصغيرة عندما تتحول أزمة في الطاقة إلى تهديد مباشر لمصدر رزقهم؟
في تونس اليوم، لم يعد الخوف مرتبطًا فقط بحرارة الصيف ولهيب الأيام الطويلة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بلحظة انطفاء قد تحمل معها خسارة مشروع، وتبدد سنوات من العمل، وتهدد مصدر عيش عائلات بأكملها.




